ذوات إعاقة تُقيد أيديهن من قبل ذوي الحماية
في غرفةٍ تُشبه المخزن، بين أثاثٍ غير مستخدم وعفشٍ متراكم، تعيش ريما (اسم مستعار)، شابة في العشرينات، إعاقتها البصرية جزئية
في غرفةٍ تُشبه المخزن، بين أثاثٍ غير مستخدم وعفشٍ متراكم، تعيش ريما (اسم مستعار)، شابة في العشرينات، إعاقتها البصرية جزئية، لكن ما يُرهقها أكثر من عينيها هو التمييز الواضح الذي تمارسه أسرتها بينها وبين إخوتها الأصحاء. الغرفة التي تقيم فيها لا باب لها يُغلق ولا يحفظ خصوصيتها، وفيها شهدت نوبات حزنها ومراحل اكتئابها المتعددة، وفيها تخفض صوتها حين تتحدث خشية أن يسمعها والدها أو أخواتها الذين يراقبون من بعيد، تقول إنها حاولت تعويض النقص فتخرجت بمعدل دراسي عالٍ لتُثبت لأهلها أنها قادرة على الإنجاز، لكن دون جدوى.
هذه ليست حالة فردية، فحيث تتقاطع الإعاقة مع الجندر والطبقة، تجد كثير من النساء ذوات الإعاقة أنفسهن محاصرات بين جدار الإعاقة وجدار "الولي"، فالشخص الذي يُفترض أن يحميهن هو نفسه من يملك السلطة الكاملة عليهن، وهو نفسه في كثير من الحالات من يستغلها. والطبقة هنا ليست مفهوماً نظرياً، بل واقع ملموس، فريما تعيش في غرفة تشبه المخزن لأن أسرتها لا تخصص لها مساحة، ونهلة لا تتحكم براتبها لأنها بلا دخل مستقل، وكلتاهما تواجهان تمييزاً يتضاعف بسبب الفقر وقلة الموارد، لا بسبب الإعاقة وحدها. تقول ريما إن والدها يُجلس أختها بين أحضانه ويدللها، وفي المقابل يتعامل معها بكل عصبية وسوء، وتفضّل الخروج من البيت غالباً على أن تبقى تحت وطأة معاملة أسرتها التي تصفها بـ"القاسية".
حين تصبح "الرعاية" أداة سيطرة
50%من النساء المعنّفات ذوات الإعاقة تعرضن للعنف النفسي20%تعرضن للعنف الجسدي مرة واحدة على الأقل من قبل الزوج81.6%التمييز داخل الأسرةبيانات مسح العنف المجتمعي الفلسطيني للعام 2019 تكشف حجماً مقلقاً، فنسبة النساء المعنّفات ذوات الإعاقة اللواتي تعرضن للعنف النفسي بلغت 50%، مقابل 20% تعرضن للعنف الجسدي مرة واحدة على الأقل من قبل الزوج، وأكثر أشكال العنف النفسي استخداماً كان التمييز داخل الأسرة بنسبة 81.6%، تلاه الشتم والسب والصراخ بنسبة 81.3%، ثم الإهانة والتذكير الدائم بالإعاقة بنسبة 76.3%، والتحقير والنظرة الدونية بنسبة 74%.
هذا النمط من الاستغلال لا يُصنّف بسهولة كـ"عنف" في الوعي المجتمعي، فنهلة (15 عاماً)، التي تعاني إعاقة حركية، تصف ما يحدث لها بالقول إن راتبها من وزارة الشؤون الاجتماعية يتقاسمونه فيما بينهم دون استشارتها، وإن صوتها غير مسموع في البيت، وإنها تشعر أنها عبء على كاهلهم فإذا رغبت بالخروج لمكانٍ ما يجدهم يتثاقلون من حملها ونقلها. أثناء الحوار كانت ملامحها تتفق رعباً وحاولت المقاطعة أكثر من مرة خوفاً من والدها، رغم المرات العديدة التي أخبرت فيها عن أيام قضتها حزناً من استغلالهم لراتبها أو تهميشهم لها وعدم اهتمامهم بآرائها أو مكوثها في البيت لفترات طويلة دون خروج فقط لأنه ليس هناك من يرغب في مساعدتها بالخروج.
وتوضح سوسن الخليلي، أمين سرّ الاتحاد العام لذوي الإعاقة، أن صمت ذوي الإعاقة لا يلغي ما يتعرضون له من مضايقات داخل أسرهم، خاصة عندما يُحرم الكثير منهم حضور مناسبات عائلية واجتماعية خوفاً من وصمة العار التي قد تُلحق بالعائلة إذا عرف الناس بوجود شخص من ذوي الإعاقة فيها، على اعتبار أنه "داء وراثي" مما قد يؤثر على زواج الفتيات لديهم، وتشير إلى أن ما هو أخطر من حدود التمييز في المعاملة بين الأصحاء وذوي الإعاقة داخل الأسرة نفسها هو التمييز الذي قد يصل إلى الحرمان من التعليم والزواج والميراث، وما قد يُرافقهم من أشكال العنف النفسي والجسدي كالضرب والإهانة والتجاهل.
الزوج الذي يملك كل شيء
إذا كان الأخ أو الأب يملك السلطة في بيت العائلة، فإن الزوج يملكها مضاعفة، ففي حالات كثيرة تُزوَّج النساء ذوات الإعاقة من رجال يكبرونهن سناً بكثير، أو من رجال يبحثون عن "زوجة مطيعة" لا تستطيع المطالبة بحقوقها، وفي بعض الحالات يكون الزواج نفسه صفقة، فالرجل يحصل على عاملة في المنزل أو على إعانة مالية، والمرأة تحصل على "ستر" اسمه زواج.
غياب البيانات يعني غياب السياسات، وغياب السياسات يعني أن ما يحدث في غرف مغلقة يبقى بلا اسم وبلا مساءلة.
لكن البيانات الرسمية لا تلتقط هذه الحالات، فتقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان يشير إلى أن النساء ذوات الإعاقة يواجهن "مخاطر متعددة، بما فيها العنف الجنسي، والاستغلال المالي، وانتهاكات الحقوق الإنجابية، والإهمال"، وأن وصولهن إلى خدمات الحماية يظل محدوداً بسبب "القوانين المتعلقة بالوصاية" و"الوصمة الاجتماعية" و"نقص التدريب لدى العاملين في الخطوط الأمامية"، كما تشير تقارير إلى أن خدمات العنف القائم على النوع الاجتماعي محدودة أصلاً، وأن وعي النساء بها منخفض، وأن الخدمات التي توجد قد تكون "غير متكافئة واستغلالية".
الوصاية القانونية: غياب الحماية في النص والتطبيق
القانون رقم (4) بشأن حقوق المعوقين يكفل في المادة رقم (9) أن على الدولة وضع الأنظمة والضوابط التي تضمن للمعوق الحماية من جميع أشكال العنف والاستغلال والتمييز، لكن المحامية ابتهال أبو نصر تشير إلى أن القانون يعاني قصوراً حيال ذوي الإعاقة، خاصة المادة (9) باعتبارها النصّ القانوني الوحيد الذي تناول الانتهاكات للمعوقين، لكنه ومع ذلك لم يأتِ على ذكر أي نوع من أنواع العقوبات إزاء مخترقي القانون. عملياً، هذا يعني أن امرأة في الثلاثينات من ذوي الإعاقة، تتعرض لاستغلال من أخيها أو زوجها، تجد نفسها أمام خيارات قليلة، إما الصمت أو اللجوء إلى مؤسسة إيواء، وهو خيار يُقدَّم في كثير من الأحيان كـ"حماية" لكنه يشبه الاحتجاز.
"لماذا لا تشتكين؟"
سُئلت ريما ونهلة وغيرهما هذا السؤال أكثر من مرة، وجوابهنّ واحد: "أشتكي لمن؟" تُجيب الخليلي بأنه من النادر جداً أن يُفكر أحد من هذه الفئة بتقديم شكوى نتيجة الضوابط الاجتماعية والعرفية، وتوضح المختصة الأسرية سعاد أبو ضلفة أن هناك أسراً لا تتقبل وجود فرد من ذوي الإعاقة داخلها، فيترتب على الأمر المعاملة السيئة والحادة والخجل من نظرة المجتمع، كما ينعكس سلوك الأبوين على باقي الأفراد تجاه ذوي الإعاقة، مما يجعلهم في حالة توتر وغليان طوال الوقت وما يتولد عنه من مشاكل نفسية أخرى كالعزلة والاكتئاب.
قانون بلا عقوبة
المادة (9) هي النصّ القانوني الوحيد الذي تناول الانتهاكات للمعوقين، لكنه لم يأتِ على ذكر أي نوع من أنواع العقوبات إزاء مخترقي القانون.
وتشير المختصة النفسية هويدا الدريملي إلى أنّه من واجب الأخوة في البيت الواحد التعاون مع أخيهم من ذوي الإعاقة، فلا يحظى بحقوقه الكاملة فقط وإنما يشاركونه في واجباته أيضاً، وأنّه على الأهل امتلاك الشجاعة لتقبل وجود شخص من ذوي الإعاقة بينهم وعدم نبذه، ومن دورهم خلق بيئة آمنة بين الأخوة داخل البيت حتى يتمكنوا من ممارسة أنشطتهم بالشراكة وليس بالتفرد.
ما لا تقوله الأرقام
24 ألفًافتاة وامرأة من ذوي الإعاقة مسجلات حتى عام 2022حتى عام 2022، بلغ عدد النساء من ذوي الإعاقة المسجلات في وزارة التنمية الاجتماعية نحو 24 ألف فتاة وامرأة، من مجمل ذوي الإعاقة المقدّر عددهم بـ35 ألفاً، لكن هذه الأرقام لا تقول شيئاً عن حجم الاستغلال الذي يحدث داخل البيوت، فدراسات الأمم المتحدة تشير إلى أن النساء ذوات الإعاقة يتعرضن للعنف بمعدل أعلى من النساء غير ذوات الإعاقة، لكن البيانات المتاحة في المنطقة العربية لا تزال "محدودة" و"غير مقسمة حسب الإعاقة والجنس معاً". غياب البيانات يعني غياب السياسات، وغياب السياسات يعني أن ما يحدث في غرف مغلقة يبقى بلا اسم وبلا مساءلة.
ريما لا تطلب الكثير، تطلب أن يكون لغرفتها باب يُغلق، وأن تستطيع الخروج دون إذن، وأن يكون لها حساب بنكي لا يتحكم فيه أحد، ونهلة تطلب أن يُترك لها راتبها وأن يُسمع صوتها في البيت، لكن هذه الطلبات البسيطة، في سياق الإعاقة والجندر والطبقة، تصطدم بمنظومة كاملة تُعيد إنتاج التبعية. وحين تُقيد امرأة بيدٍ تُفترض أنها تحميها، فإن الخلاص لا يأتي من الداخل، بل يأتي، إن أتى، من قانون يعترف بأن الرعاية ليست ملكية، وأن الحماية ليست وصاية، وأن امرأة في الثلاثين من عمرها، أياً كانت إعاقتها، هي صاحبة القرار في حياتها.